ابن كثير

372

البداية والنهاية

هذا شئ ولا هذا من نيتي ، وإني لأرى طاعة أمير المؤمنين في السر والعلانية ، وفي عسري ويسري ومنشطي ومكرهي ، وأثره علي ، وإني لأدعو الله بالتسديد والتوفيق ، في الليل والنهار ، في كلام كثير . ففتشوا منزله حتى مكان الكتب وبيوت النساء والأسطحة وغيرها فلم يروا شيئا . فلما بلغ المتوكل ذلك وعلم براءته مما نسب إليه علم أنهم يكذبون عليه كثيرا ، فبعث إليه يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة - وهو أحد الحجبة - بعشرة آلاف درهم من الخليفة ، وقال : هو يقرأ عليك السلام ويقول : استنفق هذه ، فامتنع من قبولها . فقال : يا أبا عبد الله إني أخشى من ردك إياها أن يقع وحشة بينك وبينه ، والمصلحة لك قبولها ، فوضعها عنده ثم ذهب فلما كان من آخر الليل استدعى أحمد أهله وبني عمه وعياله وقال : لم أنم هذه الليلة من هذا المال ، فجلسوا وكتبوا أسماء جماعة من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة ، ثم أصبح ففرقها في الناس ما بين الخمسين إلى المائة والمائتين ، فلم يبق منها درهما ، وأعطى منها لأبي أيوب وأبي سعيد الأشج ، وتصدق بالكيس الذي كانت فيه ، ولم يعط منها لأهله شيئا وهم في غاية الفقر والجهد ، وجاء بنو ابنه فقال : أعطني درهما . فنظر أحمد إلى ابنه صالح فتناول صالح قطعة فأعطاها الصبي فسكت أحمد . وبلغ الخليفة أنه تصدق بالجائزة كلها حتى كيسها ، فقال علي بن الجهم : يا أمير المؤمنين إنه قد قبلها منك وتصدق بها عنك ، وماذا يصنع أحمد بالمال ؟ إنما يكفيه رغيف . فقال : صدقت . فلما مات إسحاق بن إبراهيم وابنه محمد ولم يكن بينهما إلا القريب ، وتولى نيابة بغداد عبد الله بن إسحاق ، كتب المتوكل إليه أن يحمل إليه الإمام أحمد ، فقال لأحمد في ذلك فقال : إني شيخ كبير وضعيف ، فرد الجواب على الخليفة بذلك ، فأرسل يعزم عليه لتأتيني ، وكتب إلى أحمد : إني أحب أن آنس بقربك وبالنظر إليك ، ويحصل لي بركة دعائك . فسار إليه الإمام أحمد - وهو عليل - في بنيه وبعض أهله ، فلما قارب العسكر تلقاه وصيف الخادم في موكب عظيم ، فسلم وصيف على الإمام أحمد فرد السلام وقال له وصيف : قد أمكنك الله من عدوك ابن أبي دؤاد . فلم يرد عليه جوابا ، وجعل ابنه يدعو الله للخليفة ولوصيف . فلما وصلوا إلى العسكر بسر من رأى ، أنزل أحمد في دار إيتاخ ، فلما علم بذلك ارتحل منها وأمر أن يستكري له دار غيرها . وكان رؤوس الأمراء في كل يوم يحضرون عنده ويبلغونه عن الخليفة السلام ، ولا يدخلون عليه حتى يقلعون ما عليهم من الزينة والسلاح . وبعث إليه الخليفة بالمفارش الوطيئة وغيرها من الآلات التي تليق بتلك الدار العظيمة ، وأراد منه الخليفة أن يقيم هناك ليحدث الناس عوضا عما فاتهم منه في أيام المحنة وما بعدها من السنين المتطاولة ، فاعتذر إليه بأنه عليل وأسنانه تتحرك وهو ضعيف وكان الخليفة يبعث إليه في كل يوم مائدة فهيا ألوان الأطعمة والفاكهة والثلج ، مما يقاوم مائة وعشرين درهما في كل يوم ، والخليفة يحسب أن يأكل من ذلك ، ولم يكن أحمد يأكل شيئا من ذلك بالكلية ، بل كان صائما يطوي ، فمكث ثمانية أيام لم يستطعم بطعام ، ومع ذلك هو مريض ، ثم أقسم عليه ولده حتى شرب قليلا من السويق بعد ثمانية أيام . وجاء عبيد الله بن يحيى بن خاقان بمال جزيل من الخليفة جائزة له فامتنع من قبوله ، فألح عليه الأمير فلم يقبل .